فخر الدين الرازي
34
تفسير الرازي
الكلام في هذا الباب وبالله التوفيق . ثم قال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام : * ( إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) * فهذا يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم ، وأن يكون من كلام الله سبحانه وتعالى ، وقوله * ( بغير حساب ) * أي بغير تقدير لكثرته ، أو من غير مسألة سألها على سبيل يناسب حصولها ، وهذا كقوله * ( ويرزقه من حيث لا يحتسب ) * ( الطلاق : 3 ) وههنا آخر الكلام في قصة حنة . القصة الثانية واقعة زكريا عليه السلام قوله تعالى * ( هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن قولنا : ثم ، وهناك ، وهنالك ، يستعمل في المكان ، ولفظة : عند ، وحين يستعملان في الزمان ، قال تعالى : * ( فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ) * ( الأعراف : 119 ) وهو إشارة إلى المكان الذي كانوا فيه ، وقال تعالى : * ( إذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبورا ) * ( الفرقان : 13 ) أي في ذلك المكان الضيق ، ثم قد يستعمل لفظة * ( هنالك ) * في الزمان أيضاً ، قال تعالى : * ( هنالك الولاية لله الحق ) * ( الكهف : 44 ) فهذا إشارة إلى الحال والزمان . إذا عرفت هذا فنقول : قوله * ( هنالك دعا زكريا ربه ) * إن حملناه على المكان فهو جائز ، أي في ذلك المكان الذي كان قاعداً فيه عند مريم عليها السلام ، وشاهد تلك الكرامات دعا ربه ، وإن حملناه على الزمان فهو أيضاً جائز ، يعني في ذلك الوقت دعا ربه . المسألة الثانية : اعلم أن قوله * ( هنالك دعا ) * يقتضي أنه دعا بهذا الدعاء عند أمر عرفه في ذلك الوقت له تعلق بهذا الدعاء ، وقد اختلفوا فيه ، والجمهور الأعظم من العلماء المحققين والمفسرين قالوا : هو أن زكريا عليه السلام رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء ، ومن فاكهة الشتاء في الصيف ، فلما رأى خوارق العادات عندها ، طمع في أن يخرقها الله تعالى في حقه أيضاً فيرزقه الولد